عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
157
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
من شوال سنة سبع وأربعمائة ، وهو في مسجده ومعه جماعة من الناس ، فقتلوا أبا محمد الغرياني الفقيه ، وآخر بدويا ظانين أنّه أبو علي ، فلما عرفوا مالوا على أبي علي بسكاكينهم وجرّدوا جماعة من كان في المسجد فحملوا أبا علي إلى داره وقد وقعت فيه ثلاث جراحات ، إحداها في صدغه أخذت إلى قفاه ، واثنتان في جانبه الأيسر أنفذتا مقاتلة . توفي في داره بعد العشاء الآخرة وبقي دمه بالمحراب إلى قريب زماننا هذا . قلت : سبب قتله ، أنّه لمّا قدم المعزّ بن باديس القيروان بعد موت أبيه واستفتاح ولايته ، وذلك يوم الجمعة منتصف محرم عام سبعة وأربعمائة قتلت العامة الرافضة بالقيروان أقبح قتل ، وحرقوهم ، وانتهبوا أموالهم ، وهدّموا ديارهم وقتلوا نساءهم وصبيانهم ، وجرحوهم بالأرجل ، وكانت صيحة من اللّه سلّطها عليهم ، وخرج الأمر من القيروان إلى المهدية وسائر بلادهم فقتلوا حيث وجدوا ، وأحرقوا بالنار ، فلم يتبرك أحد منهم بمدائن إفريقية إلّا من اختفى ، ولجأت « 1 » الرّافضة إلى مساجد المهدية فقتلوا فيها وهدّموا دار الإمارة ، وتقدّمت العامّة ذلك إلى جماعة من أهل السّنّة من غيرهم ، فلقد حكى أن العامّة جاءت متعلّقة برجل اتهموه برأيهم فمروا به على شيخ من العامّة فسألهم عن تعلّقهم به ، فقالوا : نسير به إلى الشيخ أبي علي بن خلدون فينظروا ما يأمرنا به . فقال لهم الشيخ العامي : لا اقتلوه الآن ، فإن كان رافضيّا أصبتم ، وإن كان سنّيّا عجّلتم بروحه إلى الجنة الآن ، أو كما قال . فانتقم اللّه منهم على أيدي عامة المسلمين وقتلوهم كل مقتل ، فرعب المعزّ منهم ، وأراد كسر شوكتهم فدبّر قتل زعيم أهل السّنّة وشيخ هذه الدعوة ، فلما كان يوم الخميس الثاني عشر من شوال من السنة المذكورة أتى عامل القيروان إلى مسجد الشيخ ومعه خيل ورجال ، ففعلوا ما تقدّم ذكره ، ولما توفي رحمه اللّه ارتجّت المدينة وثارت الصّيحة من نواحي القيروان ، فمال أهل المنصورة من الرجال والعبيد ، فنهبوا جميع ما في حوانيتها ، حتّى لم يدعوا حانوتا وألقيت النّار في كبار الأسواق ونهبت أموال التّجّار ، فذهب النّاس واشتغلوا بأنفسهم عن مقتل الشيخ أبي علي وخبره ، وأراد عامل القيروان استرضاء الناس ، فجاء برجلين فقال : إنّهما اللّذان قتلاه فقتلهما .
--> ( 1 ) ط ، ت : لجّت . والصواب ما أثبتناه .